كشف تقرير المجموعة الموضوعاتية المؤقتة المكلفة بتحضير الجلسة السنوية الخاصة بتقييم السياسات العمومية المرتبطة بالاستثمار والتشغيل بمجلس المستشارين، أن سوق الشغل لا يزال يعاني من اختلالات بنيوية، تتجلى في ارتفاع معدلات البطالة، وهشاشة التشغيل، وتراجع معدل النشاط، إلى جانب ضعف القدرة على خلق فرص شغل لائقة ومستدامة.
وأبرز التقرير أن المعطيات الإحصائية لسنة 2024 كشفت عن تحولات مقلقة، من أبرزها فقدان 80 ألف منصب شغل في الوسط القروي، مقابل إحداث 162 ألف منصب في الوسط الحضري، وهو ما يعكس هشاشة البنيات التشغيلية في المجال القروي، خاصة في قطاع الفلاحة المتأثر بشكل مباشر بالتقلبات المناخية.
وأكد التقرير الحاجة إلى إعادة هيكلة منظومة التعليم والتكوين، وربطها الفعلي بمطالب السوق واحتياجات الاقتصاد، مع تحفيز الاستثمار المنتج في القطاعات الواعدة، خاصة الاقتصاد الأخضر والرقمي، وتعزيز العدالة المجالية من خلال تقوية دور الجهات في التخطيط التنموي، بما يضمن إدماجا أوسع للفئات الهشة، ويجعل من التشغيل رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.
وأوضح التقرير أن الاقتصاد الوطني، رغم الدينامية التي شهدها، لم يتمكن بعد من خلق ما يكفي من مناصب الشغل المستدامة، كما لم ينجح في تحقيق عدالة مجالية حقيقية في توزيع الاستثمارات.
كما أشار إلى أن بنية سوق الشغل تظل مشوبة بالهشاشة، بفعل استمرار هيمنة الاقتصاد غير المهيكل، وانخفاض نسبة العقود القانونية، وغياب الحماية الاجتماعية لفئات واسعة من الساكنة النشيطة. وسجل التقرير تفاقم معدل البطالة في صفوف الشباب، وارتفاع عدد المنتمين إلى فئة "لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون تكوينا"، إلى جانب استمرار ضعف المشاركة الاقتصادية للنساء، التي لم تتجاوز نسبة 30 في المائة، وهو ما يعكس وجود معيقات ثقافية ومؤسساتية مزمنة.
واعتبر التقرير أن تجاوز هذه الوضعية يتطلب تبني مقاربة جديدة تعيد بناء العلاقة بين الاستثمار والتشغيل على أساس تحقيق الإنصاف المجالي والعدالة الاجتماعية. وهي مقاربة، يشدد التقرير، يجب أن تستند إلى رؤية وطنية شمولية تدمج البعدين الترابي والاجتماعي في صلب السياسات الاقتصادية، وتعزز دور الدولة كفاعل منظم وضامن للتوازنات المجالية والاجتماعية، في إطار شراكة فعالة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، لبناء نموذج تنموي أكثر شمولية وإنصافا واستدامة.