كشف تقرير المعهد المغربي لتحليل السياسات بشأن "السيادة الغذائية في المغرب"، أن بلدنا وإن كان يسجل معدلات مرتفعة في إنتاج لحوم الدواجن والأبقار محليا، إلا أن أكثر من 70 في المائة من مكونات الأعلاف المستعملة في هذه السلاسل تأتي من الخارج.
وفي هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي المعتمد من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.
إلى أي حد يمكن القول إن تحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاع اللحوم بالمغرب مجرد صورة نظرية لا تعكس الواقع الاقتصادي الفعلي؟
قطاع الإنتاج الحيواني يشهد تقلبات في السوق، يعزوها الكثير إلى الجفاف وإلى شح التساقطات، لكن إذا تأملنا الماضي، نرى أنه حتى في السنوات التي شهدت وفرة في الأمطار، كنا نستورد العجول والأعلاف، بنسبة جد مهمة مقارنة بالإنتاج الوطني.
وعندما نتحدث عن إنتاج اللحوم بصفة عامة، سواء لحوم الدواجن أو الحمراء أو إنتاج الحليب، نقوم بربطها بالتقلبات المناخية، ولكن هذه الأخيرة لم تقم سوى بتعرية واقع السياسات المتبعة من قبل الحكومات المتوالية على المغرب.
منذ فجر الاستقلال والمغرب يتبع سياسة إنشاء السدود من أجل توفير المياه للسقي والشرب، وكان يتم إلزام الفلاحين مقابل الاستفادة من الماء بزراعة القمح الرطب أو الفصة أو الشمندر السكري، يعني أن الدولة كانت تفرض على الفلاح منتوجا معينا من أجل أن يستفيد.
خلال العقدين الأخيرين أدت مشاكل الجفاف إلى إظهار هشاشة الوضع، ما جعلنا نبحث عن برامج للتدبير المرحلي، فعندما نتحدث عن استراتيجية مخطط المغرب الأخضر، فنحن نعلم ما يعانيه الكساب والمستثمر في قطاع الدواجن.
تحقيقنا للاكتفاء الذاتي في دجاج اللحم والبيض، والتفكير في تصدير البيض لمصر أو دول إفريقيا جنوب الصحراء، هذا من شأنه أن يغطي على حقائق الاقتصاد الوطني، نحن نتحدث عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في لحم الدجاج ولكن بأعلاف مستوردة 100 في المائة، فنحن نستورد من دول أمريكا اللاتينية والهند ودول آسيوية.
هناك غياب استراتيجية وطنية واضحة لإنتاج نباتات زيتية أو تخصيص مساحات لإنتاج الأعلاف بصفة عامة أو تخصيص نسبة من مياه السقي لإنتاج هذه الأخيرة، ونخص بالذكر "الصوجا والذرة.." لأننا نعتمد على هذه المنتجات ثم نزعم أننا بلغنا مرحلة الاكتفاء الذاتي.
مع مخطط المغرب الأخضر، حاولت الدولة تحت غطاء الاقتصاد في تدبير مياه السقي، إدخال تقنية السقي بالتنقيط، وقد وجه هذا النظام أساسا نحو سقي الأشجار المثمرة وإنتاج الفواكه والخضروات الموجهة للتصدير نحو الخارج، وخاصة في منطقة الغرب التي تخصص مساحات واسعة منها لإنتاج الفواكه الموجهة للتصدير على حساب تخصيص مياه السقي للمحاصيل الأساسية. بحيث فرض على الفلاح، مقابل استعمال المياه الجوفية التي هي في ملك المغاربة، تحديد نسبة لإنتاج الحبوب والأعلاف.
ما المخاطر الأساسية التي قد تترتب عن استمرار تبعية المغرب لأسواق الأعلاف والحبوب العالمية، خاصة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات الأسعار الدولية؟
عند حديثنا عن تشجير الأراضي فهنا نتحدث عن مسألة تقليص المراعي، التي كانت تلعب دورا كبيرا في تربية الأغنام والماعز، الآن أصبحت المراعي مخصصة لأشجار مثمرة أو الخضر والفواكه، فهذه المسألة ساهمت في التقليل من الأرضي الرعوية التي كانت بالأمس القريب، ناهيك عن زحف العمران.
الأراضي الفلاحية التي كانت تنتج حتى الأمس القريب، أصبحت اليوم داخل المجال الحضري، وهذا أدى إلى تقليصها، فالأراضي التي توجد بجانب المدن تحولت إلى مبان على حساب أراضي فلاحية كانت تنتج عددا من النباتات التي كنا نستعملها في الزراعات العلفية والكلئية بالنسبة لماشيتنا.
عندما نتكلم عن الاكتفاء الذاتي، نتحدث عن المنتوج النهائي، كنا نتكلم في وقت ما عن السيادة الغذائية ولكن في السياسة المتبعة لا يمكن أن نتحدث عنها، لأننا ننتج بعض المواد التي نصدرها في حين الاستراتيجية التي نتبعها تتعلق بكون المسائل التي نستهلكها لا نقوم بزراعتها فنبقى رهينين للتقلبات الخارجية للسوق الدولية، والدليل على ذلك أنه بسبب الحرب الأوكرانية الروسية تضاعفت أسعار المواد الأولية وبالتالي فالتكلفة ارتفعت.
يجب التفكير في استراتيجية تكون مبنية على أسس سليمة، وتكون لنا دراية بحاجياتنا من حبوب وقطاني ونباتات زيتية وأعلاف ونباتات كلئية، فهي التي ستضمن لنا استمرارية القطيع، ففي البرامج المؤخرة من قبيل إعادة بناء القطيع وإعادة تشكيله، نتحدث فقط عن الدعم المخصص لاقتناء الأعلاف.
بحيث يخصص دعم خاص لتجهيز الأراضي وتشجيعها على إنتاج الحبوب والقطاني وإنتاج النباتات الزيتية، بهذه الطريقة يمكن القول إننا نسعى إلى بناء قطيع وطني قوي ومستدام، أما إذا كنا نفكر في بناء القطيع بأعلاف مستوردة، فالسياسة ستفشل حتما لأننا سنبقى دائما رهن تقلبات السوق الدولية وتغيرات السوق الاقتصاد العالمي.
ما هي السياسات أو الاستراتيجيات التي ينبغي للمغرب اعتمادها لتقليص هذه التبعية وتعزيز سيادته الغذائية في قطاع اللحوم؟
هناك استراتيجية واحدة، نضع حاجياتنا ونرى إمكانياتنا ونقوم بتحديد الأولويات، لأنه لا يمكن أن نعطي الأولوية للتصدير في حين أن ما نستهلكه بشكل يومي هو الذي نستورده، فهنا يجب أن تكون الأولوية لاحتياجاتنا، ويجب أن نفكر في إنتاج الأعلاف والنباتات الزيتية في المغرب، إذا كنا فعلا نتحدث عن استراتيجية تشكيل القطيع، لا يمكن أن نفكر فقط في المنتوج النهائي.
نحن الآن نستورد الأبقار الحلوب، اللحوم الحمراء من أوروبا والبرازيل، وبعد أن ظهرت أمراض فيروسية في القطيع الإسباني، أصبحنا مجبرين على البحث عن أسواق في أمريكا اللاتينية من أجل الرفع من حاجياتنا، ونحن نعلم إقبالنا على اللحوم.
يجب الحديث عن إعادة تشكيل القطيع واستدامته، ولا يمكن الحديث عنه بدون التفكير في إنتاج أعلاف كلئية من أجل بناء القطيع، ولا يمكن أن نفكر في استدامة القطيع بأعلاف مستوردة.
الأمن الغذائي نقطة مهمة وعلى الحكومة أن تفكر في استراتيجية ناجعة، والنجاعة في استعمال المياه وليس في تدبير مياه السقي.
فالأمن الغذائي يتحقق بإعادة التدبير وإعادة النظر في هذه الأمور من أجل أن نتمكن من تحقيقه، كمرحلة أولى في انتظار الوصول إلى السيادة الغذائية، فرغم جدوى استيراد الأبقار الحلوب والأغنام واللحوم في الوقت الحالي، يجب أن تكون هذه المرحلة مؤقتة ضمن خطة لإعادة بناء القطيع.