كل ما تملكه اليوم عشرات الأسر المغربية هو صورة لابن غادر المنزل ذات ليلة ولم يعد. بعضهم ترك هاتفه المحمول حتى لا يُكتشف أمره، وآخرون أخبروا أصدقاءهم بأنهم سيحاولون الوصول سباحة إلى سبتة المحتلة، قبل أن تنقطع أخبارهم وسط البحر. ومنذ ذلك الحين، تعيش عائلاتهم بين انتظار مكالمة تطمئنهم بأنه وصل سالما، أو خبر يؤكد العثور عليه، حيا أو جثة مجهولة الهوية.
وتتسع، يوما بعد آخر، قائمة الشباب المغاربة المفقودين بعد محاولات العبور سباحة نحو سبتة، في ظل تصاعد غير مسبوق لمحاولات الهجرة البحرية، حيث أفادت صحيفة "إلفارو دي سيوتا" بأن بعض الليالي تشهد أكثر من 200 محاولة عبور، بينما ارتفع عدد الوفيات المسجلة منذ بداية السنة إلى 27 شخصا، بينهم أربعة خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة وحدها.
وتنشر الأسر صور أبنائها وأسماءهم وأوصافهم الدقيقة، أملا في أن يتعرف عليهم أحد داخل سبتة أو في أحد المستشفيات أو مراكز الإيواء، فيما يناشد آخرون كل من يملك معلومة، مهما كانت بسيطة، أن يساعد في إنهاء أيام طويلة من الانتظار والقلق.
ولا تقتصر المأساة على حالة أو حالتين، بل تشمل عشرات الشبان، كثير منهم قاصرون. فمن بين المفقودين هيثم موعنية (19 سنة)، الذي شوهد آخر مرة بمدينة الفنيدق قبل أن يقرر خوض رحلة السباحة، والشقيقان أحمد وعبد الله حارشون، اللذان اختفيا رفقة صديقهما حمزة أبو رشاد، بعدما غادروا منزلهم ليلا دون أن يحملوا هواتفهم.
كما انقطعت أخبار عثمان مخلوف، القادم من قلعة السراغنة إلى الفنيدق بحثا عن فرصة للوصول إلى الضفة الأخرى، إلى جانب محمد الكفحالي، ومحمد بن عياد من إقليم شفشاون، وعمر بوراس، وعبد الباري أحموت، وياسين حمراس، ومحمد مدرست، وأسامة الريس، وأمين السلامي، وسليمان طرفي، ومحمد أمين، وسمير، ومحمد صابر، وصلاح الدين منصور، ومصطفى الغراري، وأشرف المؤذن، وغيرهم ممن لا تزال أسرهم تجهل مصيرهم.
وفي محاولة لتسريع التعرف على المفقودين، دعت السلطات الإسبانية عائلاتهم إلى تقديم بلاغات رسمية عن حالات الاختفاء، سواء لدى السلطات المغربية أو لدى الشرطة والحرس المدني في إسبانيا إذا كان لهم أقارب هناك، كما حثت على الإدلاء بعينات من الحمض النووي، لما لذلك من أهمية في التعرف على الجثث التي تُنتشل من البحر دون وثائق أو هوية.
وبين صور معلقة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وهواتف لا تتوقف عن الرنين، وأمهات ينتظرن خبرا يبدد الخوف، تتحول رحلة السباحة القصيرة نحو سبتة إلى مأساة إنسانية طويلة، لا تعرف كثير من الأسر كيف، أو متى، ستنتهي.