تشهد أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط موجة جفاف قياسية مطلع غشت الجاري، وصفت بأنها الأشد منذ بدء الدراسات سنة 2012، وفق معطيات المرصد الأوروبي للجفاف التي حللتها وكالة الأنباء الفرنسية. وحسب البيانات، فإن أكثر من 51,3% من أراضي المنطقة تعاني من درجات متفاوتة من الجفاف، وهو رقم غير مسبوق للفترة ما بين 1 و10 غشت.
أوروبا تحت وطأة الجفاف والحرائق
المؤشر الأوروبي (كوبرنيكوس)، الذي يعتمد على قياسات الأقمار الصناعية للهطول المطري ورطوبة التربة وحالة الغطاء النباتي، صنّف الوضع في ثلاث درجات: الرصد، الإنذار، والتحذير. وبيّنت المعطيات أن القوقاز وشمال البلقان هي الأكثر تضرراً، حيث وصل الجفاف إلى 97% من أراضي جورجيا وأرمينيا، فيما تعاني بلغاريا وكوسوفو وصربيا ومقدونيا الشمالية وألبانيا والمجر والجبل الأسود من أوضاع إنذار وتحذير في أكثر من 75% من مساحتها.
وتسببت موجات الحر التي رافقت الجفاف خلال يوليوز وغشت في اندلاع حرائق مدمرة، أودت بحياة شخص في الجبل الأسود وآخر في ألبانيا، فضلاً عن خسائر بيئية وبشرية جسيمة. وفي إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، اندلعت بدورها حرائق واسعة بداية الشهر، غير أن أثر الجفاف هناك بقي محلياً. بينما تبقى الصورة أكثر قتامة في بريطانيا (69,5% من أراضيها متأثرة) وفرنسا (63%).
ورغم هذا الوضع، سجلت أوروبا الوسطى بعض التحسن، إذ عادت مستويات رطوبة التربة والغطاء النباتي إلى وضع طبيعي في ألمانيا وسويسرا والنمسا وتشيكيا، بعدما كانت من بين الأكثر تضرراً في الأشهر الماضية.
وحسب تقديرات نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي، فإن الجفاف سهّل اندلاع الحرائق بشكل غير مسبوق، ما أدى إلى تدمير أكثر من مليون هكتار من الغابات والمزارع داخل الاتحاد الأوروبي خلال 2025، وهو رقم قياسي تخطى حصيلة أي عام كامل في ظرف ثمانية أشهر فقط.
المغرب على خط التأثيرات المناخية
في الضفة الجنوبية للمتوسط، يواجه المغرب بدوره تحديات متزايدة مرتبطة بالجفاف وتغير المناخ. ورغم أن التقارير الدولية تركز على أوروبا، فإن شمال المملكة، الممتد على سواحل المتوسط، يتأثر مباشرة بالتقلبات المناخية في المنطقة. فقد سجلت البلاد خلال السنوات الأخيرة مواسم متتالية من نقص التساقطات، انعكست على الموارد المائية، ودفعت السلطات إلى اعتماد برامج استعجالية لتأمين التزود بالماء الصالح للشرب وتدبير السدود وتحلية مياه البحر.
كما أن حرائق الغابات التي شهدتها مناطق متعددة بالمغرب، خاصة في الشمال كإقليم العرائش وتطوان، تؤكد أن البلاد ليست في منأى عن المخاطر نفسها التي تضرب الضفة الأوروبية. ويجمع خبراء المناخ على أن الظواهر القصوى، مثل موجات الحر والجفاف الممتد، ستزداد حدة بفعل الاحتباس الحراري، وهو ما يفرض تعزيز التعاون الإقليمي بين دول المتوسط لإدارة الموارد الطبيعية وحماية السكان.
الحاجة إلى استراتيجيات مشتركة
هذا الوضع المقلق يضع المغرب وأوروبا على حد سواء أمام ضرورة تبني خطط منسقة لمواجهة التغيرات المناخية، من خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتوسيع مشاريع تحلية المياه، واعتماد زراعات أقل استهلاكا للماء، إضافة إلى تطوير آليات الإنذار المبكر لمواجهة الحرائق والكوارث الطبيعية.