أوضحت الخزينة العامة للمملكة، في نشرتها الشهرية حول إحصائيات المالية العمومية، أن وضعية تحملات وموارد الخزينة أفرزت عجزا في الميزانية بلغ 53,7 مليار درهم عند متم يوليوز الماضي، مقابل عجز قدره 35,3 مليار درهم خلال الفترة ذاتها قبل سنة، بحسب ما أفادت به الخزينة العامة للمملكة.
في هذا الصدد أفاد المحلل الاقتصادي، قمر فؤاد، أن الوضع يتطلب تحليلًا على مستويين، البنية الهيكلية للإنفاق وأولويات السياسة المالية. فالمداخيل العادية ارتفعت بـ 19 في المائة، وهو تطور مهم، لكن يجب التنبيه إلى أن هذا الارتفاع له طابع ظرفي أكثر منه بنيوي، وجزء كبير منه جاء من الضرائب المباشرة (أرباح استثنائية لبعض القطاعات)، وارتفاع قوي في الإيرادات غير الضريبية (+34,4%)، والتي تعتمد غالبًا على تحويلات المؤسسات العمومية أو مداخيل ظرفية غير متكررة، بمعنى أن الموارد لم ترتكز على توسيع قاعدة ضريبية مستدامة، بل على عوامل ظرفية.
وارتفعت المداخيل العادية الخام بنسبة 19,2 في المائة متم يوليوز لتبلغ 241,1 مليار درهم، كما ارتفعت النفقات العادية الصادرة بنسبة 15,4 في المائة لتبلغ 185,8 مليار درهم، مما أسفر عن رصيد عادي إيجابي قدره 16,4 مليار درهم.
وأوضح المحلل أنه رغم تسجيل المداخيل العادية ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة تفوق 19 في المائة عند متم يوليوز 2025، فإن وضعية الميزانية أفرزت عجزاً متزايداً بلغ 53,7 مليار درهم، مقابل 35,3 مليار درهم خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية. ويعود ذلك أساساً إلى الطبيعة الظرفية لهذا الارتفاع، إذ ارتبط جزء كبير منه بمداخيل غير ضريبية وتحسن مؤقت في بعض الضرائب المباشرة، دون أن يعكس توسعاً هيكلياً في الوعاء الضريبي أو تعزيزاً دائماً للموارد العمومية.
وعلى مستوى النفقات، ذكر المحلل الاقتصادي، أن النفقات العادية ارتفعت بـ 15,4 في المائة لتصل إلى مستويات قياسية (185,8 مليار درهم)، ارتفاع ملحوظ في نفقات التسيير (+16,1%)، وهو ما يعكس ضغط كتلة الأجور، الدعم الاجتماعي، ونفقات الاستثمار (+10,5 في المائة) تعكس توجه الدولة لتعزيز البنية التحتية والمشاريع الكبرى، لكن في غياب مردودية سريعة على الإيرادات، وفوائد الدين ارتفعت بـ 10,8 في المائة، ما يعني أن خدمة الدين صارت تلتهم جزءا متزايدا من الميزانية.
إذن، هناك هيمنة للنفقات غير المرنة (الأجور، خدمة الدين، الدعم)، التي لا يمكن تقليصها بسهولة حتى مع تحسن الإيرادات.
وأضاف أن تفاقم العجز لا يعكس قصوراً في تعبئة الموارد بقدر ما يترجم اختلالاً هيكلياً في الإنفاق العمومي وأولويات السياسة المالية، التي ظلت رهينة التزامات اجتماعية واقتصادية ضخمة يصعب التحكم فيها على المدى القصير. ويؤكد هذا الوضع الحاجة الملحة إلى إصلاحات عميقة تستهدف عقلنة النفقات، وتحسين مردودية الاستثمار العمومي، وتوسيع القاعدة الضريبية على نحو يضمن استدامة التوازنات المالية.
وأبرز في معرض حديثه وجود فجوة بين المداخيل والنفقات، إذ رغم تحسن المداخيل بـ 19 في المائة، إلا أن وتيرة نمو النفقات وبنيتها جعلت العجز يتفاقم، حيث بلغ 53,7 مليار درهم مقابل 35,3 مليار درهم قبل سنة، أي بزيادة بـ 18,4 مليار درهم، والسبب الأساسي: الإنفاق العمومي يزداد بوتيرة أسرع من قدرة المداخيل على تغطيته.
وكشف أننا لسنا أمام خلل محض في المداخيل، بل أمام إشكالية في بنية الإنفاق وأولويات السياسة المالية، وهيمنة النفقات الجارية غير المرنة التي لا تتأثر إيجابًا بارتفاع المداخيل، وضعف مردودية الاستثمار العمومي على المدى القصير، والاعتماد المفرط على التمويل الداخلي، مما يرفع خدمة الدين.
وأشار إلى أن ارتفاع العجز رغم نمو الإيرادات يكشف أن الخلل يكمن أساسًا في هيكلة الإنفاق العمومي (ثقل الأجور، خدمة الدين، ودعم السياسات الاجتماعية)، إضافة إلى أن السياسة المالية تركز على الإنفاق التوسعي لدعم النمو والحماية الاجتماعية، من دون مواكبة ذلك بإصلاحات جبائية وهيكلية تضمن استدامة الموارد.
ولفت الانتباه إلى أن الأرقام أظهرت ارتفاعاً في نفقات التسيير بـ 16,1% ونفقات الاستثمار بـ 10,5%، مقابل تراجع في أعباء الدين المدرجة في الميزانية.
وأضاف قائلا إن الاستثمار العمومي المرتفع يمكن أن يكون رافعة للنمو، ويوجه إشارة بأن الحكومة تتبنى سياسة مالية توسعية لدعم النشاط الاقتصادي والتشغيل، كما أن تراجع أعباء الدين المدرجة في الميزانية يخفف جزئياً الضغط على الإنفاق، رغم استمرار ارتفاع الفوائد.
وفي ما يتعلق بالتركيبة الحالية للإنفاق، أفاد أنها تُظهر ميلاً نحو تضخم النفقات الجارية غير المرنة على حساب الموارد المستدامة، واستمرار هذا النسق قد يؤدي إلى تفاقم العجز والمديونية، خصوصاً إذا لم تُترجم الاستثمارات إلى عائدات اقتصادية وضريبية ملموسة، ارتفاع فوائد الدين إشارة إلى أن كلفة التمويل الداخلي أصبحت عبئاً متصاعداً، مما يضيق هامش المناورة أمام المالية العمومية.
يمكن القول إننا أمام سياسة توسعية ذات أهداف تنموية واجتماعية مشروعة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر على استدامة التوازنات الماكرو اقتصادية. فإذا لم تُواكب هذه النفقات بإصلاح جبائي يعزز الموارد المستقرة، وبآليات تقييم صارمة تضمن نجاعة الاستثمار العمومي، فإن التوجه قد يتحول من فرصة لدعم النمو إلى تهديد يفاقم هشاشة المالية العمومية.
لجوء الخزينة إلى التمويل الداخلي
وفي ما يتعلق بحجم التمويل الداخلي، أفاد المحلل أن الخزينة لجأت إلى تمويل داخلي بقيمة 49,7 مليار درهم في ظرفية اقتصادية تتميز بارتفاع الحاجيات التمويلية يعكس اعتماداً متزايداً على السوق المحلي، خاصة عبر إصدار سندات الخزينة.
وبخصوص أثر ذلك على السوق المالي، أشار إلى مزاحمة القطاع الخاص (Crowding Out)، فعندما ترفع الدولة حجم اقتراضها الداخلي، فهي تمتص جزءاً كبيراً من السيولة المتاحة في البنوك والمؤسسات المالية. هذا يعني أن الكتلة النقدية الموجهة لتمويل المقاولات والاستثمار الخاص تصبح أقل، ما يضعف قدرة القطاع الخاص على الحصول على التمويل.
ولفت الانتباه إلى ارتفاع كلفة الاقتراض من خلال ارتفاع الطلب على التمويل من طرف الدولة يدفع معدلات الفائدة إلى الصعود، إما بشكل مباشر عبر مزادات سندات الخزينة، أو بشكل غير مباشر عبر ارتفاع تكلفة الودائع لدى الأبناك. هذا الارتفاع ينعكس سلباً على كلفة القروض بالنسبة للمقاولات والأسر.
وفي ما يتعلق بأثره على النمو الاقتصادي، قال إنه مع ارتفاع كلفة التمويل وصعوبة الولوج إلى القروض، قد تتراجع الاستثمارات الخاصة، خصوصاً لدى المقاولات الصغرى والمتوسطة، مما يبطئ وتيرة خلق فرص الشغل ويضغط على النمو.
المدى القصير مقابل المدى المتوسط
في هذا السياق، قال إنه على المدى القصير، يظل اللجوء إلى السوق الداخلي أداة ضرورية لتغطية حاجيات الدولة وتفادي تراكم العجز، خصوصاً إذا كان التمويل الخارجي محدوداً أو مكلفاً. وعلى المدى المتوسط والطويل، قد يخلق الاعتماد المفرط على السوق المحلي اختلالات هيكلية، ويؤدي إلى تفاقم مزاحمة القطاع الخاص وإضعاف الاستثمار المنتج.
وخلص إلى القول إن اللجوء المكثف إلى التمويل الداخلي يشكل خياراً مؤقتاً لكنه محفوف بالمخاطر. فإذا لم يُواكب بإصلاحات لزيادة الموارد المستدامة (إصلاح جبائي، تعبئة أملاك الدولة، شراكات مع القطاع الخاص)، فإنه قد يفضي إلى ارتفاع كلفة الدين، وضعف تمويل الاقتصاد، وتراجع دينامية النمو.