ملحوظة أولى: جريا على دأبشيخنا أبي العباس أحمد بن خالد الناصري، ومواصلة لما درج عليه.
ملحوظة ثانية: هذا النص مُدوّن بلسان القرنين الثالث عشر والرابع عشر من الهجرة.
ملحوظة ثالثة: هذا النص إخبار عن لسان حال زماننا، أو جزء منه أو من بعض جزءه.
... وكان القصد من هذه الرسالة إخبار الأجيال ممن سيأتون إلى دنيانا عاجلا أو آجلا، بأخبار وأحوال أجدادهم، وهي أحوال متسارعة متقلبة مُدوّنة لدى أهلها بما يشاع من الآلات والماكينات التي تنقل الرسالة بسرعة البرق، كأنها مُسيّرة من طرف شيطان مارد، ينقلها إلى جمهور العوام ممن لا يُبدون أي تجشؤ على مسايرتها كل بياض الليل وشطر كبير من سواده، بل إن منهم من يبقى واقفا لا يريم، وهو يتجسس على أحوال الناس من مشرق الأرض إلى مغربها.
ومما كان يتناقل أن شخصا يصوِّرُ حال بلد على إيقاع الرحالة ابن بطوطة، فكان هذا يضربُ أكباد الإبل، ويُيمِّمُ الأشطر الواحد منها تلو الآخر، يفترش أراضي الفيافي والقفار، ويتلحف ليلها بنجوم قبة السماء، ثم يعود إلى مسقطه بعد أن غاب عنه دهرا.. وكان ذاك يطير في أقصى أقاصي السماء يركبها، لا يعرف من ألم الرحلة شظف عيشها، ولا يلتقي وحوشها الضارية، ولا يُستلب متاعه من طرف قطاع طرقها الأشرار، الذين لا يفرقون بين طالب علم، وتاجر من تجار الحواضر آنئذ. وإن أسعفتنا المقارنة بينهما، لقلنا أن ما تناقله الرواة والمحدثون والرحالة بأحوال الناس وأخبارهم عند ذاك الإبّان، أقدر ثباتا وتأثيرا على ما يسوقه المخبرون من يومنا هذا. وبما أن أحداثهم متسارعة لا تتوقف عند حين إلا وتبرحه راضية مرضية، فقد كان الناس يتقلبون بتقلب أحوال عصرهم الغريب هذا. تراهم يسعدون بما يُحمل لهم من طيب الأخبار، ثم يحزنون مما يصلهم من كمدها. ولقد تنبأ لهم أحد الشعراء بتقلب الزمن عليهم، زمن الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر رضي الله عنه وأرضاه، حين قال في حضرته:
فلله أيامً مضت لسبيلها
فإني لا أنسى لها أبدا ذكرا
وما هذه الأيام إلا سحائبٌ
على كل أرض تمطرُ الخير والشرا
وكجماع للقول فيما ذكرنا آنفا، فالحق يقال أن القاعدة التي استأثر بها خلق هذا الزمان، أن مزاجهم يتقلّبُ ذات اليمين وذات الشمال، بتقلّب الأحوال وتغيراتها، وتلك سنة الله في الناس التي خلت من قبل، لكن عيبهم عيبٌ تأسر له الأنفاس. فلو دققنا فيه تدقيقا، لقلنا أن تعاطفهم مع أصحاب الكرب والجزع والبلاء، لا يشي ولا يني بما في دواخلهم، والشاهد على ذلك، شعورهم بالحبور والنّغماء واليُسرى حينما تفتح لهم الدنيا أبوابها وتقبلُ عليهم.
... ولقد حصل أن فاضت الأرض ماء جبارا، إبان الأسبوع الأخير وما قبله بأيام، بحاضرة أسفي العامرة، أو ما يسمونها اليوم "آسفي" وشطر من حاضرة تطاوين وأحوازها، وما تيسّر من أقطار وأمصار جنوب البلاد ويبابه وقفاره، فسار السيل جارفا لا تحده الأبصار، يجر بسرعة البشر والحجر والشجر، فمنهم الأموات ومنهم الأحياء، ومنهم المحتضرون ومنهم من يطلب النجدة يبسمل ويحوقل، ثم وصلنا من الأخبار أن سكان الغور استنجدوا بسكان النجد، وقد كُتب عليهم الهلع، ومن آياته أن قال: "إن الإنسان خلق هلوعا" وقد قيل في ذلك والله أعلم، أن البعض منهم هلك داخل حانوته بعد أن تلاشى الأمر بيدهم، وتولاه صاحب الأمر تبارك وتعالى، إليه المبتدأ وإليه المنتهى.
... ثم خرج رهط من الناس، يتقدمهم الشباب أصحاب السواعد المتينة، يحملون الفؤوس والمعاول والحبال، يمدون المساعدةلهذا، ويزيحون الطوب من على جسد الآخر، وقد سقط عليه سقف الدور بأكمله، فأرداه قتيلا في آنه وحينه. وقد لحق بهم بعد حين من وُلي عليهمأمره وشرذمة من أتباعه وأتباع أتباعه، من الساسة والفقهاء والمتملقين، يستفتون أحوال الناس ويستبشرونهم خيرا، أن الماء من عند الله والشح من عنده كذلك، وأن ما يحدث أمارة من معجزاته جل جلاله، يذكرهم بما هم فيه من لهو ومجون وفسوق، وقد استبدلوا بيوت الله ببيوت السمر والتفكه والترويح عن النفس. وقد تناقل الناس في السر والعلن، أن خطابهم لن ينطلي عليهم، وأن من أسباب ما ضرب يومهم ونغص عيشتهم ونكصّها، إن هو إلا آي من تقاعس وتكاسل من كان بيدهم أمر الناس، ينظمون حاضرتهم ويرتبون أحوالها، فطُلب رأس صاحب المدينة وصاحب الشرطة العليا والوسطى، وصاحب الحسبة والمكوس، ومما استُفتيَ في الناس، أن أموالهم التي تُقتطع من أجل إصلاح شأن الحاضرة، تختفي باختفاء من لهم أمر السهر عليها وتدوين ما بها من أعراض وعلل، وآي ذلك، أن حالها لم تتبدل أمارته منذ أن دخلها البرطقيز والسبليون، وأن ما سرى على حاضرة أسفي، إنما كان يسري في آنه وحينه على باقي الحواضر وأحوازها.
ولما قفل الناس مما ضرب إخوانهم في هذه الحواضر، كانوا يخفون امتعاضهم، يتداولون سرا ما اشتد عليهم من حصار السيول التي لم يسلم منها أحد من العامة، وقد شاع أن ممن هلك أكبر بكثير مما ذكر أهل الرياسة والحل والعقد في دفاترهم وما يدونون بها من أخبار ووقائع، وقد فتح ذووا المهلكين بعد لأي، وقد أقيمت الجنائز في الحاضرة المنكوبة، النساء تلطمن وتولولن وتبكين بكاء مرا، واليتامى من الأطفال لا يعلمون مصيرهم وما يخزنه لهم القدر من سرائر في جعبته التي لا تمسسها يد إنس وجن. ثم استمر حالهم يحصون ما أُتلف، والعامة تتبادل الاتهامات مع الذين ولي عليهم، فهؤلاء يقولون إن قدر الله لا يقبل الرجوع، وأولئك يتهامسون أن الأمور أعطيت لغير أهلها. وبين هذا الشد والجذب، كان ممثل دولتهم العامرة يمارس لعبة جماعية، ظهرت لدى بلاد النصارى إبان أولى تباشير القرن الرابع عشر من هجرة النبي، وكان من قواعدها ركل الكرة داخل إطار حديدي تحيط به شبكة سميكة، والعامة ورعاع الناس وسقّاطهم يفرحون حين دخول الكرة، ويلعنون حينما تدخل داخل مرماهم، وقد حدث أن انتصر ممثل دولتهم العامرة، فنسي الجمع من القوم نكبة أهل أسفي وتطاوين والأحواز، ثم أبدوا فرحا غريبا يضاهي فرح عامة قرطبة، حين كان يعود الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر بالانتصار من على مشارف جليقية وبرشلونة ونافار. ومن سخريات زمنهم الأصمّ، أن انتصارهم هذا لم يعيدوه إلى مقادير الله المدونة سلفا في اللوح المحفوظ، بل تم لها الأمر من بعده ومن قبله، إلى اجتهاد اللاعبين. فكأن النكبات والمكاره والبلايا يقدرها الله، وأما النعم والبركات والخيرات، قد كانت ولا تزال عنوانا للبدل والسعي والمجاهدة.
ولنا في الختم لما أتيناه من أخبار، طلبا لحسن الخاتمة، وتمسكا بالعروة الوثقى، ولله في خلقه حكمة لا يعلمها إلا هو، له الأمر والنهي وإنا إليه راجعون.