"فقر الدم" في مستشفى وجدة الجامعي.. هل هو مجرد عرض أم "قناع" لأمراض أعمق؟

محمد فرنان

دقت دراسة حديثة أجريت بالمستشفى الجامعي محمد السادس بوجدة ناقوس الخطر حول تفشي فقر الدم بين الحالات الخاضعة للاستشفاء، فبعيدا عن كونه مجرد نقص عابر في مخزون الحديد، أثبتت النتائج أن هذا المرض يمثل "الوجه الآخر" لعبء الأمراض المزمنة وتداعيات التقدم في السن، مؤكدة على حتمية التعامل معه كإنذار سريري مبكر يتجاوز التفسيرات الغذائية البسيطة، ليتحول إلى أداة حيوية لتشخيص أعقد التحديات الصحية التي تواجه نزلاء المؤسسات الاستشفائية.

ونشرت الدراسة تحت عنوان: "انتشار فقر الدم والعوامل المرتبطة به والملف الوبائي بين البالغين في مستشفى إحالة جامعي بشرق المغرب"
(Prevalence, Associated Factors, and Epidemiological Profile of Anemia Among Adults in a University Referral Hospital, Eastern Morocco).

وأعد البحث فريق أكاديمي يضم كلا من نوال وهبي (Nawal Ouahbi)، وخالد سراج أندلسي (Khalid Serraj Andaloussi)، وحبيبة بن ناصر علوي (Habiba Benneser Alaoui)، وجميعهم باحثون في مختبر أمراض الدم المناعية والعلاج الخلوي بكلية الطب والصيدلة التابعة لجامعة محمد الأول بوجدة.

ونشرت هذه الدراسة في 2 مارس 2026 عبر مجلة Epidemiologia، وهي إحدى المجلات العلمية المحكمة الصادرة عن منصة النشر العالمية MDPI.

الدراسة هي الأولى من نوعها في المغرب التي تبحث انتشار فقر الدم في أقسام طبية وجراحية غير متخصصة أصلا في أمراض الدم (مثل العيون، الأنف والأذن والحنجرة، وجراحة الحروق)، مما كشف عن حالات "خفية" كانت تغفل عادة في البيئات المزدحمة.

وأظهرت الدراسة، التي شملت 446 مريضا، (بين فبراير 2024 وأبريل 2025)، أن معدل انتشار فقر الدم بلغ 30.3 في المائة، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد الذي يربط فقر الدم بالنساء أكثر، فإن النتائج لم تظهر فرقا جوهريا بين الجنسين داخل المستشفى، إذ بلغت النسبة 31.9 في المائة لدى الرجال و28.4 في المائة لدى النساء.

ومع ذلك، برز العمر كعامل حاسم، حيث سجلت الفئة العمرية التي تزيد عن 60 عاما أعلى معدلات الإصابة بنسبة وصلت إلى 38.1 في المائة.

ولم يعد فقر الدم، وفق الدراسة، مجرد نقص في التغذية، بل أصبح "مرآة" تعكس عبء الأمراض الأخرى، إذ وجدت الدراسة ارتباطا وثيقا بين فقر الدم ووجود تاريخ مرضي من الأمراض المزمنة، حيث بلغت نسبة الإصابة بين مرضى ارتفاع ضغط الدم 43.6 في المائة، وبين مرضى السكري 38.6 في المائة، بينما وصلت إلى ذروتها لدى مرضى القصور الكلوي المزمن بنسبة 80 في المائة.

وتباينت معدلات انتشار فقر الدم حسب الأقسام الطبية داخل المستشفى، إذ سجلت أعلى النسب في قسم أمراض الرئة بنسبة 41.2 في المائة، يليه وحدة الحروق والجراحة التقويمية بنسبة 40.7 في المائة، ثم قسم جراحة الصدر بنسبة 38.5 في المائة.

وكشفت التحاليل المخبرية أن فقر الدم سوي الكريات وسوي الصباغ (Normocytic Normochromic) هو النمط الأكثر شيوعا بنسبة 56.3 في المائة.

ويختلف هذا النوع عن فقر الدم الناتج عن نقص الحديد التقليدي، الذي يرتبط غالبا بآليات الأمراض المزمنة والالتهابات التي تعيق إنتاج خلايا الدم الحمراء أو تقصر عمرها.

أما من حيث الشدة، فقد كانت معظم الحالات خفيفة (62.2 في المائة) أو متوسطة (30.4 في المائة)، في حين مثلت الحالات الشديدة نسبة محدودة بلغت 7.4 في المائة.

وتكمن خطورة فقر الدم، حتى في حالاته الخفيفة، في كونه يزيد من معدلات المراضة والوفيات، ويطيل مدة الإقامة في المستشفى، ويرفع خطر الإصابة بالعدوى والمضاعفات الجراحية، ورغم هذه المخاطر، تشير المصادر إلى أن فقر الدم غالبا ما يغفل أو لا يشخص بدقة في البيئات الاستشفائية المزدحمة.

لا يمكن فصل المعطيات الطبية عن الواقع الاجتماعي، إذ تشير الدراسة إلى أن 49.8 في المائة من المرضى المشمولين هم من فئة الأميين، وأن الغالبية العظمى (71.5 في المائة) كانوا عاطلين عن العمل وقت إجراء الدراسة،  19.1 في المائة منهم يفتقرون لأي تغطية صحية، مما يزيد من تعقيد مسار العلاج والمتابعة.

الدراسة لم تقتصر على مدينة وجدة فقط، بل شملت مرضى من جميع أقاليم الجهة الشرقية، حيث مثل مرضى مدينة وجدة 43.7 في المائة، يليهم مرضى بركان (15.2 في المائة) والناظور (13.2 في المائة)، مما يعطي للدراسة صبغة جهوية تعكس الحالة الصحية لشرق المملكة.

وخلصت الدراسة إلى ضرورة اعتماد فحص منهجي وشامل لفقر الدم عند دخول المرضى إلى المستشفى، خاصة لدى كبار السن وذوي الأمراض المزمنة.

وشدد الباحثون على أهمية تعزيز التنسيق بين الأقسام الطبية وأطباء القطاع العام لضمان متابعة المرضى بعد خروجهم من المستشفى، إضافة إلى تطبيق مبادئ "إدارة دم المريض" (Patient Blood Management) بهدف تحسين النتائج الصحية وتقليل التكاليف العلاجية داخل النظام الصحي.