محمد زفزاف vs أحمد بوزفور

هادي معزوز

في الأستاذ محمد زفزاف شطر من الأستاذ أحمد بوزفور، وإن كان الأول روائيا وقاصا من الأدب الواقعي. وفي الأستاذ أحمد بوزفور شطر من محمد زفزاف، وإن كان الثاني قاصا من الأدب السريالي العجائبي ـ إن صحت العبارة ـ

لا يشبه زفزاف بوزفور إلا ليفارقه والعكس بالعكس، ففي الأول جزء من الثاني، مثلما أن في الثاني جزءا من الأول. لا يتكاملان ولا يتضادان بقدر ما يأخذ الواحد من الآخر ما يفتقده في نفسه. إنهما وجهان للتناقض الذي يسير بالتوازي، ولكن في حركة دائرية متواصلة، قد تلتقي.. لكن ليس من أجل الركون إلى الالتقاء، بل من أجل نفَس جديد ومغامرة جديدة أيضا. أما إذا أردنا توضيح العلاقة بينهما أكثر، فسنستعين في هذا السياق بهندسة القرن التاسع عشر، حينما رفعت من شأن التناقض، وأضفت عليه طابع التناقض الخلّاق وليس الارتكاسي، وهو الذي تبدّى في المستقيمات التي تتوازى وتتقاطع أيضا، ضدا على القاعدة الأقليدية التي كانت ترى استحالة مطلقة في تقاطع المستقيمات المتوازية.

كيف يتوازى ويتقاطع زفزاف مع بوزفور في نفس الوقت؟

يكتب الناقد مقارنا بين الهرمين، في قصة مقتطفة من "ديوان السندباد" على لسان صاحب الكتاب والناقد الأستاذ بوزفور، وتحديدا في الصفحة 344 ما يلي: "إن هذا هو الفرق بين كتابته وكتابتك.. هو يكتب نصوصا مكتملة، وأنت تكتب نصوصا مفتوحة. هو يكتب نصوصا واقعية، وأنت تكتب نصوصا عجائبية. هو يفكر وأنت تحلم. وأنتما، على أي حال، خطان متوازيان لا يلتقيان في قصة." زفزاف نواة الذرة، وبوزفور إلكترونها المتنطع الذي لا يقف على حال بعينه، بل يتواجد في أمكنة مختلفة داخل زمن واحد، تاركا خلفه سحابة إلكترونية وانتهى..

الفرق بيني وبين الناقد صديق الأستاذ أحمد بوزفور، فرق في المرجعية الرياضية/ الفلسفية. هو يعود إلى هندسة أقليدس التي تقول: "إذا كان مستقيم عموديا على أحد المستقيمين المتوازيين، فإنه يكون عموديا على المستقيم الآخر." وأنا أعود إلى هندسة ريمان التي تقول: "كل المستقيمات تتقاطع بما فيها المتوازية." إذا صح القول فسأنضاف إلى الأستاذين وإلى الناقد، فنصبح أمام معادلة رياضية/ فلسفية:

(محمد زفزاف ⊥ أحمد بوزفور) = (أنا ⊥ الناقد)

محمد زفزاف: لا يبالي بالتناقض أو التكامل، وإن كان في الأصل متناقضا مع أحمد بوزفور، على الأقل انطلاقا من النص المتواجد بديوان السندباد سالف الذكر.

أحمد بوزفور: يؤكد هذا التناقض في إطار الصداقة ويشاغب عليه من أجل الذهاب به إلى أقصى مدى. ربما بدافع الفضول أو المغامرة. ثم يزيحه ويتشبث بأمل التخلص منه حينما يجيب صديقه الناقد: "من يدري لعلهما يلتقيان." صحيح أنها عبارة متأرجحة تطلب الأمل،لكنها تؤمن أيضا بواقع الحاضر وثقله.

الناقد: حاسم برأيه من خلال تأكيده بأنه ثمة تناقض غير مكشوف، وثمة أيضا معركة ناعمة بين الاثنين بما أنهما "خطان متوازيان لا يلتقيان في قصة."

أنا: خارج غطاء العلاقة المباشرة بين الثلاثة/ أشاغب على الجميع، وأسمو بالتناقض إلى درجة التأثير المزدوج الذي يكون سلبيا وإيجابيا في نفس الآن! أحسم أنهما يلتقيان كي يفترقا من أجل لقاء جديد. مرجعهما يستند إلى حركة الأبيرون (τὸ ἄπειρον) l’apeïronلدى الإغريق القدامى، تلك الحركة غير المتعينة، التي لا شكل لها. تستمر دائما دون أن تنتهي، تسير بشكل متواز لكن أصلها يعود إلى المبدأ الأول الذي تصدر منه كل الأشياء.. وبلغة أخرى، إنها كانت تتقاطع ذات يوم حينما خرجت من نفس المبدأ الأول، بيد أنها انقطعت عن كل شيء بما فيه نفسها، من منطق التجاوز اللامتناهي. وهكذا فهي متوازية بعد أن كانت متقاطعة مع كل شيء.

تلك إذن فحوى العلاقة التي أراها ـ مع كثير من الاحترام والتقدير للعزيزين زفزاف وبوزفور ـ بين العلمين.. علما أن صاحب "الحي الخلفي" كسّر بكثير من الذكاء صمته حينما أدلى بدلوه أخيرا، مجيبا صديقه بوزفور والناقد وأنا: "الفرق بين كتابتي وكتابتك؟ إن صديقك الناقد المسكين لا يعرف أنك أنت أيضا كتابتي."

يبدو أن الأستاذ زفزاف بَعثَرَ كثيرا المعادلة الرياضية سالفة الذكر بيننا نحن الأربعة، فقد كنا نتكلم عنه وهو الغائب/الحاضر. كان ينصت في صمت كأن الأمر لا يعنيه بتاتا. بوزفور يشاغب عليه بكثير من التقدير والاحترام. الناقد يعبر عن رأيه مع ميل خفي لصديقه بوزفور. وأنا أحاول قراءة العلاقة بينهما بنفَس يمتح من مبادئ الفلسفة المعاصرة..

سيجعل زفزاف من نفسه الأبيرون الذي تخرج منه الأشياء:

ـ زفزاف: الأصل الذي تتولد منه وعنه كل الفروع. صامت كأن الحوار لا يعنيه بتاتا. لكنه يكون آخر من يتكلم، ليس من أجل التركيب، ولكن من أجل بدء الحوار من جديد بشكل مبعثر وغرائبي وساخر. يبدو حقا نسخة من المحرك الذي لا يتحرك.

ـ بوزفور: انحراف شكلاني من الأصل، وبلغة شيخنا جيل دولوز: خط انفلات لا يتوطّنُ ولا يستوطنُ، يرحل بعيدا دون أن يركن إلى مكان معين، يسير في كل الأشطر. يتغير باستمرار كأنه ليس هوَّ. ينفلت من نفسه ومن المكان والزمان والمعنى والخُطَّة والواقع... ينفلت من الانفلات عينه.

ـ الناقد: يملك مرجعية أدبية تتيح له سلطة القول الذي توجب أن يؤخذ على محمل الجد، لكنه يبقى مع ذلك ناقدا مسكينا حسب زفزاف، مسكين ليس لأنه لا يستحق صفة الناقد، ولكنه نظرا لمعرفتهلزفزاف وبوزفور من خلال كتابتهما فقط، وليس علاقتهما الروحية.

ـ أنا: أنظر إلى الثلاثة من بعيد. أعيد تشكيل اللوحة من خلال نصَين جميلين للأستاذ بوزفور. نص أدبي يُقرأ أكثر من مرة كي يُفهم. وشهادة مرجعية حول مرجع لن يجود الزمن ولا التاريخ بمثيله. إلى ماذا كان يلمّحُ الأستاذ بوزفور في هذين النصين؟

نلتقي في الكرونيك المقبل..!