حوار: رئيس جماعة آيت بوكماز حول "مسيرة الكرامة": لا نطلب المستحيل... فقط طبيب، أنترنت، وطريق

خديجة عليموسى

 

بين شعاب ومرتفعات أزيلال الوعرة، وتحت شمس يوليوز الحارقة، خرج، أمس الأربعاء، رجال من آيت بوكماز، شبابا وشيوخا، فشقوا طريقهم نحو مدينة أزيلال، حاملين فوق ظهورهم هموما راكمتها سنوات من التهميش ووعود لم تتحقق.

مسيرتهم التي أطلقوا عليها اسم "طريق المعاناة نحو الكرامة"، لم تكن مجرد خطوة احتجاجية، بل كانت صرخة جماعية ضد العزلة، ولتذكير  الدولة بأنهم ما زالوا هناك، في أعالي الجبال، ينتظرون طبيبا وإنترنت وطريقا معبدة.

في هذا السياق، حاورت "تيلكيل عربي" البرلماني السابق ورئيس جماعة تبانت (أيت بوكماز)، خالد تيكوكين، الذي تحدث عن خلفيات هذه الخطوة، وعن التحديات التي تواجهها الجماعة في تدبير الشأن المحلي.

* ما الدافع وراء تنظيم هذه المسيرة في هذا التوقيت بالذات؟ وما أبرز الإشكالات التي دفعت السكان إلى الاحتجاج؟

إن المسيرات ممارسة معتادة في إقليم أزيلال، وتحدث غالبا خلال فترة عيد الأضحى، حين يعود العمال والطلبة إلى قراهم، فيقارنون بين ظروف العيش في المناطق التي كانوا يعملون أو يدرسون بها، وتلك التي يتحدرون منها، لذلك فإن هذا الحراك يتجدد كل عام، وهو مرتبط بشكل مباشر برغبة السكان في حياة كريمة داخل هذا الوطن.

من بين أبرز الإشكالات التي يطرحها الشباب، مشكل غياب شبكة الأنترنيت، فهناك دواوير كثيرة لا تتوفر على التغطية، ورغم تكرار الوعود بأن المشكل سيحل، إلا أن الواقع لا يتغير.

وفي ما يتعلق بالتطبيب، فمطلبنا هو  تعيين طبيب قار في المركز الصحي، فموقعنا الجغرافي يجعل الطلب ملحا فإضافة إلى سكان الجماعة هناك جماعات محيطة بنا لا تتوفر على طبيب، من قبيل جماعة أيت بولي التي لم تعرف طبيبا منذ أكثر من 12 سنة، ومنطقة إكمير، إضافة إلى جماعة إغيل أومكون، التابعة لإقليم تنغير.

 و* ما علاقة إقليم تنغير بكم؟

جماعة إغيل أومكون بإقليم تنغير جارة لنا، وسكانها يقصدون جماعتنا للتسوق ولقضاء مصالحهم، لأن الطريق التي تربطهم بأقرب مركز تمر عبر ترابنا، ونحن أقرب إليهم جغرافيا من أي جماعة أخرى، وأقرب مستشفى بالنسبة إلينا جميعا هو المستشفى الإقليمي بأزيلال، الذي يبعد بحوالي 80 كيلومترا، وهي مسافة طويلة جدا بالنسبة لساكنة جبلية، في ظروف مناخية صعبة، وطرقات غير مؤهلة وظروف اجتماعية قاهرة.

فجماعتنا تقع على الحدود بين إقليمي أزيلال وتنغير، وفي منطقة جبلية شاهقة، يتراوح ارتفاعها بين 1600 و1800 متر، وتقع على سفح جبال مكون التي يصل ارتفاعها إلى 4800 متر، وهي من أعلى القمم في المغرب.

ومؤخرا، خرجت ساكنة إغيل أومكون للاحتجاج، وهو ما أعاد دق ناقوس خطر الأوضاع، ولحسن الحظ أن عامل إقليم تنغير رجل تواصل واستمع إليهم.

فما تطلبه الساكنة بسيط وواضح: طبيب وأنترنيت وطريق وماء وتكوين الشباب، وهي مطالب مشروعة لا تحتمل مزيدا من الانتظار.

* أنتم مسؤولون عن التدبير المحلي، لكنكم تشاركون في هذه المسيرة رغم موقعكم في التسيير؟

أولا، لا يمكنني أن أتخلف عن مشاركة الساكنة في مسيرة دعا إليها المجتمع المدني،  فأنا ابن هذه المنطقة، وكرامتهم من كرامتي.

ثانيا، أنا رئيس جماعة ومعني بالتدبير، ولكن بأي إمكانيات؟ ما هي الوسائل الحقيقية التي نتوفر عليها؟ الجماعات الجبلية، في واقع الحال، هي مجرد "بارشوك خاوي"، تسند إليها الاختصاصات بدون ميزانيات، وتترك العمالة والجهة والمصالح المركزية تتصرف كما أرادت، وفي ظل هذا الوضع، بات من المشروع طرح سؤال جريء: لماذا لا تمنح هذه الجماعات الجبلية للقيادات الإدارية لتسييرها بشكل مباشر.

إن الجماعة التي أسيرها تضم 33 دوارا، ولا تتجاوز ميزانيتها السنوية مليون درهم، وهذا مبلغ هزيل جدا، وهذه الدواوير تحتاج إلى مدارس، وطرق، وجمعيات، وبنيات ثقافية ورياضية، فكيف يمكن لهذه الجماعة أن تلبي كل هذه الحاجيات؟

كما أن جماعتنا هي الوحيدة في جهة بني ملال – خنيفرة التي يسيرها حزب العدالة والتنمية، وأنا في ولايتي الثانية، ويشعر  الناس وكأنهم يعاقبون على اختياراتهم، لأن المال العام، للأسف، يستعمل كأداة للتدافع السياسي، بمنطق "إن كنت معنا، سنعطيك، وإن لم تكن، فلن تحصل على شيء".

الجماعات في هذه المناطق تعيش تهميشا واضحا، وهناك تمييز صارخ في توزيع مشاريع التنمية، بعضها يقصى بشكل ممنهج لأسباب سياسية لا علاقة لها بالحاجيات الواقعية.

علما أن منطقتنا ظلت دائما في مأمن عن أي احتجاج، ولم ننظم أي مسيرة منذ سنوات، رغم كون جماعتنا من أقل الجماعات استفادة من التنمية، لأننا كنا نقوم بدورنا في التأطير  والتواصل مع المواطنين، وننقل إليهم الوعود التي نتلقاها من الجهات المعنية، لكن مع مرور الوقت، لم نعد نجد جوابا عن سؤال الساكنة: لماذا لا يتحقق شيء رغم كل هذه المطالب المتكررة؟

* قبل المسيرة كان لكم لقاء وحوار مع عامل الإقليم هل يمكن أن تقدم لنا تفاصيل هذا اللقاء؟

منذ شهر تقدمت بطلب رسمي لعقد لقاء مع عامل إقليم أزيلال، واقترحت أن يشمل اللقاء أعضاء المجلس الجماعي وممثلي المجتمع المدني بهدف مناقشة المطالب بشكل مؤسساتي وتحديد ما يمكن تنفيذه في أقرب وقت  وما يحتاج إلى وقت أو شراكة.

لكنني تلقيت ردا من مصالح العمالة يفيد بعدم إمكانية استقبال ممثلي المجتمع المدني، حاولت إقناعهم خاصة أن هؤلاء كانوا يخططون لتنظيم مسيرة احتجاجية إلا أنه تم الاتصال بي يوم الأحد وطلب مني الحضور يوم الاثنين الماضي بمفردي مع التأكيد على أن العامل يستقبل فقط رئيس المجلس.

أوضحت لهم أن المجلس يتكون من عشرين عضوا ومن حقهم الحضور والمشاركة، لكن الرد بقي دون تغيير. أكدت أن المستشارين يؤطرون المواطنين ويعرفون مشاكلهم عن قرب لكن دون جدوى.

توجهت في النهاية إلى لقاء العامل وقدمت له ملفا يضم حوالي 15 مطلبا من بينها مطالب تعود إلى أكثر من تسع سنوات. عرضت كل التفاصيل وأكدت على ضرورة إشراك المجتمع المدني في الحوار لكن هذا الطلب قوبل بالتجاهل.

* لكن لماذا الإصرار على هذا الطلب، فلقاؤكم كاف لنقل مطالب السكان؟

إن المجتمع المدني لدينا يشكل بديلا فعليا لما يسمى بـ"الجماعة"، ففي كل دوار توجد جمعية تدبر شؤون العرف والماء وأراضي الجموع، ويجتمع أعضاؤها بشكل دوري في ما يشبه مجلس القبيلة.

ولما عدت من لقاء العامل يوم الاثنين، وجدت الجمعيات تعقد لقاء لها، فأخبرتهم بمحتوى اللقاء وطلبت منهم التريث في تنظيم المسيرة ومنح بعض الوقت للسيد العامل، فقرروا الإعلان عن تنظيم المسيرة يوم الأربعاء، وتركوا يوما واحدا رغبة منهم في إتاحة فرصة للحوار معهم.

وقد قالوا بوضوح إن السيل قد بلغ الزبى، وإنهم سئموا من الانتظار، ولا يمكنهم البقاء في هذه الحالة طويلا، لذلك أكدوا أن الحراك والتوجه إلى العمالة هو السبيل الوحيد لمعرفة ما إذا كانت لهم حقوق أم لا.

* ما نتيجة لقائكم بعامل الإقليم؟

تحدثت معه حول ثلاث قضايا رئيسية: أولها مشكل التطبيب، حيث أخبرني بأنه سوف ينظر في الأمر، وأوضحت له أننا بحاجة ماسة إلى طبيب، خاصة أن الطبيبة التي كانت لدينا سابقا كانت متعاقدة مع جمعية إقليمية لسد الخصاص في الموارد البشرية، وأكدت على ضرورة توفير طبيب قار تابع للدولة.

ثانيا: مشكل شبكة الانترنت، لما لها من ارتباط مباشر بعدد من الخدمات، مثل منصة مسار، والدعم الاجتماعي المباشر، وتحويل الأموال، وغيرها من المنصات المرتبطة بالمغرب الرقمي، والتي لا نستفيد منها بسبب ضعف التغطية، ما يحتم قطع 80 كيلومترا نحو أزيلال في بعض الأحيان من أجل التواصل عبر النت.

وثالثا، الطريق رقم 302، حيث كانت هناك شراكة بين جهة بني ملال خنيفرة ووزارة التجهيز والماء، لكن بدأ الترويج بأن المقطع الذي يهم جماعتنا سيتم استبعاده، وقد طالبت بتوضيح رسمي لهذا الوضع، إلى جانب مطلب الطريق 317 (آيت عباس) لفك العزلة.

أيضا لدينا مشكل الفيضانات الناتجة عن التغيرات المناخية بسبب الوادي المعروف باسم الهضبة السعيدة، ومنذ أن كانت شرفات أفيلال في كتابة الدولة المكلفة بالماء، طلبنا دراسة للحوض المائي، وقد توصلنا بها فعلا وترافعنا بشأنها، لكنها ظلت بدون أي تفعيل.

وأيضا لدينا مركز للتكوين في المهن الجبلية، كان يعمل في السابق، وهو الوحيد من نوعه في شمال أفريقيا، الذي كان يخرج مرشدين سياحيين جبليين، وقد تم إنشاؤه في إطار شراكة بين المغرب وفرنسا، ثم تم تسليمه إلى وزارة الداخلية، ليغلق بعد ذلك، ترافعنا بشأنه وتمت إعادة فتحه على أساس اتفاقية بين وزارة الداخلية ووزارة السياحة والجهة والجماعة، وتكلفت الجهة بعملية الإصلاح، على أن يتم إطلاقه من جديد، لكن ومنذ سنة 2017 لم يتم فتحه إلى اليوم.

كذلك كان هناك مشروع لتثمين النفايات، وفررنا له العقار، وجمدنا مبلغ 80 مليون سنتيم، وانتظرنا الشركاء لتنزيل المشروع، لكن دون نتيجة إلى حدود الآن.

بعد طرح مشاكل الجماعة على عامل الإقليم في لقاء استغرق ما يزيد عن الساعة وقدمت له الملف متكاملا لكن لم يقدم لي أجوبة حاسمة، كما فهمت أن رغبة المجتمع المدني في لقائهم لا يعني لهم شيئا.

* كنتم برلمانيا خلال الولاية السابقة ورئيس جماعة، معلوم أن دور النائب هو التشريع، لكن بعض البرلمانيين يستثمرون علاقاتهم وتواصلهم مع الوزراء لحل المشاكل المحلية، لماذا لم تستطيعوا حل هذه المشاكل منذ الولاية السابقة؟

 لقد قمت بواجبي، ورفعت صوت سكان  الجبل داخل قبة البرلمان، وكنت من حاملي فكرة قانون الجبل، واشتغلت على مقترح قانون رفقة البرلماني أحمد صدقي من إقليم تنغير وقتها، وقيل لنا آنذاك لا تتقدموا به، لأنه قانون أفقي ويتضمن مزايدات سياسية، لأن البعض ينظر إلى الجبل كخزان انتخابي، ولا أحد يسمح لنا بالاشتغال عليه، رغم ما له من أبعاد تنموية، فتمت مناقشة المقترح مع الأغلبية، ولم نستطع تمريره، حتى الطرقات التي كانت مبرمجة، تم إيقافها في انتظار الانتخابات، وهذا للأسف يقع دائما.

* إلى أين وصلتم الآن في مسيرتكم وما وجهتكم؟

نحن الآن في قرية آيت محمد، تناولنا وجبة عشاء بسيطة مكونة من السردين والخبز، وسنبيت هنا، وسنواصل المسيرة نحو أزيلال، ولا يمكننا العودة من حيث أتينا، إلا إذا تم استقبالنا من طرف من يعيد لنا كرامتنا، وسنلح على ذلك.

لقد تم منع المسيرة من التقدم بتيزي نترغيست، من لدن السلطات العمومية،  فترك المواطنون سياراتهم واستمروا مشيا على الأقدام، وقطعوا تقريبا 40  كيلومترا، هدفهم لقاء مسؤول يملك القرار، ويستطيع أن يقوم بشيء حقيقي.

* من هو المسؤول الذي تلحون على لقائه؟

منظمو المسيرة ينتظرون على الأقل حضور العامل، ليناقش مع السكان المطالب نقطة بنقطة، لأنه ممثل جلالة الملك، وإذا رفض الحضور، أعتقد ستكون الوجهة مقر العمالة، وإذا رفض اللقاء، سيظل الجميع هناك.

لم نكن نريد الوصول إلى هذا الحد فسكان آيت بوكماز لم يألفوا المسيرات على عكس باقي  الدواوير، لكن ما بلغناه مؤلم جدا.