دعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى إعادة النظر في مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24، المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، مطالبة بإزالة القيود غير المتناسبة، وذلك لجعله رافعة حقيقية لترسيخ سمو الدستور وتعزيز دولة القانون وضمان حماية فعالة ومتساوية للحقوق والحريات لجميع المتقاضين.
وقالت المنظمة، في مذكرة لها توصل "تيلكيل عربي" بنسخة منها، إن مشروع القانون التنظيمي تضمن قيودا شكلية متعددة تمس ممارسة الحق الدستوري في الدفع بعدم دستورية القوانين، المكفول بالفصل 311 من الدستور، والتي ستفضي إلى تعطيل هذا الحق أو تضييق نطاق اللجوء إليه، بما يحد من تفعيل هذه الآلية الدستورية والقانونية..
وأوضحت أن هذه القيود تتمثل في تعقيدات مسطرية، منها اشتراط توقيع مذكرة الدفع بواسطة محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، وهو ما يعتبر بحسبها "قيدا شكليا يمس جوهر الحق الدستوري في الولوج إلى العدالة الدستورية، ويفرغ جزئيا مضمون الفصل 311 من الدستور، بالنظر إلى أن ربط الدفع بفئة محدودة من المحامين يجعل ممارسة الحق مشروطة بالقدرة التنظيمية والمالية للمتقاضي، في مخالفة للفصل 6 من الدستور الذي يضمن المساواة أمام القانون".
ومن التعقيدات، أيضا، وفق المصدر ذاته "فرض رسوم قضائية على تقديم الدفع"، وهو قيد اعتبرته المنظمة "يهدد مبدأ مجانية الحقوق الدستورية، ويحول ممارسة الحق في حماية سمو الدستور إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية للمتقاضي، ويتعارض مع المعايير الدولية التي تؤكد ضرورة إزالة كل العوائق القانونية والمادية والمالية التي تحول دون الوصول الفعلي إلى العدالة".
وسجلت المذكرة أن مشروع القانون التنظيمي حدد آجالا وإجراءات صارمة للبت في الدفع وإحالته على محكمة النقض ثم المحكمة الدستورية، مشيرة إلى أن هذه الآجال "قد تؤدي إلى سقوط الدفع لأسباب شكلية خارجة عن إرادة المتقاضي، وحرمان الفئات الضعيفة من ممارسة الحق، مما يؤدي إلى إضعاف الرقابة الدستورية، وتحويل الحق من ضمانة فعالة إلى إجراء شكلي".
كما تطرقت المنظمة إلى تعدد مستويات التصفية والإحالة إلى محكمة النقض، لافتة إلى أن هذا التراكم في مستويات التصفية، عند ربطه بما سبق حول شرط المحامي، والرسوم القضائية، والآجال الزمنية الصارمة، يؤدي عمليا إلى تقليص عدد الدفوع الجدية التي تصل إلى المحكمة الدستورية، وتحويل الحق الدستوري في الدفع إلى مسطرة شكلية، وتحجيم دور قاضي الموضوع إلى مجرد "مصف شكلي"، بعيدا عن دوره في حماية الحقوق والحريات.
كما نبهت المنظمة إلى إشكالية غموض شرط "الصلة" بين المقتضى التشريعي المطعون فيه والحق أو الحرية المدعى خرقها، مبرزة أن غياب تعريف تشريعي دقيق لهذا المفهوم يفتح المجال لتأويلات واسعة، مما قد يؤدي إلى توسيع غير مبرر لسلطة التصفية، وتحويل محكمة النقض من جهة فنية للتصفية إلى جهة تمارس رقابة مسبقة على النصوص، وهو ما يضعف مضمون الدفع ويهدد الاختصاص الحصري للمحكمة الدستورية..
و قدمت المنظمة تحفظات حقوقية بخصوص المقتضيات التي تمنع إحالة الدفع بعدم دستورية القانون في حالة التنازل عن الدعوى، معتبرة أن هذا التوجه يخلط بين الدعوى الفردية والطابع العام للدفع بعدم الدستورية، الذي يخاصم نصا تشريعيا عاما يمس الحقوق والحريات الأساسية للمجتمع ككل، وليس فقط مصلحة فردية معزولة.
ومن بين الملاحظات المثارة في المذكرة إشكالية الرقمنة في مسطرة الدفع بعدم الدستورية، حيث أبرزت أن "هذا التوجه، من حيث المبدأ، يمكن أن يسهم في تسريع الإجراءات، وتحسين النجاعة القضائية، وتيسير تتبع الملفات، غير أن القراءة الحقوقية المتأنية تكشف أن اعتماد الرقمنة بهذه الصيغة، في غياب ضمانات صريحة للمساواة والشمولية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمس جوهر الحق الدستوري في الولوج إلى العدالة".
وقالت إن تحويل الوسائل الرقمية إلى نمط إجرائي مهيمن، دون التنصيص الواضح على بدائل غير رقمية فعالة، قد يشكل عائقا فعليا أمام فئات واسعة من المتقاضين الذين لا يتوفرون على ولوج منتظم إلى الأنترنت أو الوسائل التكنولوجية، أو يفتقرون إلى الكفايات الرقمية، خصوصا الفئات الهشة والأشخاص في وضعية إعاقة وسكان المناطق النائية، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تمييز غير مباشر يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القضاء.