كنت أناقش ذات يوم مع طلبة الصف مفهوم التسارع الذي اقتبستُه شخصيا من الفيزياء، وتحديدا من فيزياء غاليلي وبعده نيوتن ثم ماكسويل، لأستكشف به الجانب الوجودي من حركة الانسان في الزمن، مستنتجا في الآن عينه أنه كلما توغلنا في التاريخ كلما تسارعت الحياة، فلنتأمل مثلا زمن الإنسان البدائي كي نقارنه مع زمن البَنَّاء المصري التعيس ـ أو هكذا كان يبدو لنا ـ وهو يحمل الحجر الثقيل تلبية لرغبة مكبوتة لدى خوفو في إنشاء شيء يخَلّده، تنكيلا في الزمن الذي يتفنن في أكل أبنائه وذويه. ثم نقارن بعدئذ زمن الإثنين مع زمن رجل أرستقراطي من العصر الفيكتوري، ولنجمع كل هؤلاء كي نقارنهم مع إنسان القرن العشرين. أو بالأحرى لنتوقف أكثر كي ننظر إلى كل هؤلاء بعيون شاب يعيش اليوم. الظاهر أن هذا الأخير عادة ما ينظر إلى الذين يصغرونه بخمس سنوات بعيدين كل البعد عن اهتماماته ونظرته إلى الوجود، وطريقة تصرفه ونمط عيشه..
هو ذا إذن المنطق الذي يسير عليه مبدأ التسارع وجوديا، وربما أخشى أن يأتي يوم غريب من دنيا الناس، سنجد فيه أن من يكبر شخصا آخر ببضعة شهور أو أسابيع، يرى فيه ذلك الشرخ الذي أحدثه لديه الزمن، سيبدوان لبعضهما البعض نسخا مشوهة، ورغبات متنافرة متعاكسة لا تلتقي إلا كي تتفرق من جديد.
ستأخذ مني إحدى المتعلمات الإذن بالكلام متسائلة:
ـ وما هو السبب الذي جعل التاريخ يسير بهذه السرعة أو بالأحرى بهذا التسارع الذي كلمتنا عنه؟
أجبتها بواسطة القلم حين كتبت بعد أن أثنيت على السؤال:
ـ الثورة الصناعية
كتبتها بالعربية ونطقتها بالفرنسية، لأن اللسان العربي لا يُلَخّص حمولة الكلمة مقارنة بالإنجليزي أو الفرنسي، بما أن التسمية من صميم القوي، بينما اكتفينا بلعب دور الصدى الذي لا يتجاوز حدالترجمة دون الشعور بتدفق الكلمة ولمعانها داخل الذهن. تأملت عيونهم فلاحظت أنهم لازالوا في حاجة إلى الشرح. جلست على حافة المكتب ـ وكانت هذه عادتي خلال الانغماس في الدرس ـ ثم قلت:
ـ كانت النية القبلية للثورة الصناعية حسنة، بما أنها فكرت بإيجاد حلول لمشاكل مستعصية أو من تتطلب وقتا طويلا، فتم اختراع المغزل الطائر وآلة الغزل المائي بدل الاعتماد على اليد، وقبلهما آلة الطباعة بدل بيت النَّسخ، ثم المحرك البخاري عوض العربة المجرورة، والسفينة البخارية مكان السفينة الشراعية، وبعدهم التلغراف بدل الحمامة... لكن حينما ننظر إلى البنية الفلسفية للثورة الصناعية، سنلاحظ أن صراعها لم يكن في الأصل ضد ما تُقدم الطبيعة، ولكنه كان محاولة انتقام للإنسان الإغريقي الذي طلب الخلود فلم يجده، وطلب الاستمرار في العيش دون نهاية، فكانت حياته تؤكل من طرف كرونوس إله الزمن وسيد أسياد الكون. لقد كانت الغاية كالتالي: القيام بالعديد من الأشياء في زمن قياسي مقارنة بما كان يقوم به أجدادنا، ستصبح ساعة إنسان الثورة الصناعية وما بعدها، أكبر بكثير من ساعة الأجداد الأوائل، سيقول لك أن اليوم لا يكفيه، وأنه يشعر بعمره يسير بلمح البصر، ثم سيردف قائلا أنه لم يشعر بتدفق الزمن إلا بعد مروره، وأن السنة التي يعيشها الآن لم يعد يذكر كيف أتت ولا حتى متى بدأت، وهي على وشك الانتهاء والانهيار، بل إنه سيشعرك بالغموض حينما سيقول أنه لم يشعر بمرور كل هذا الوقت من عمره .ثم ستبوح له بأنك أنت أيضا تشعر بما يشعر به في آنه وحينه.
التفتُّ إلى طلبة الصف مخاطبا الجميع:
ـ المشكلة أنه كلما تقدمنا أكثر في التاريخ، كلما عشنا من الزمن أقل، رغم أن قياس الساعة رياضيا لا يختلف بين ساعة البنّاء المصري التعيس إبّان عصر خوفو، وساعة الموظف الحالي الذي لا يقل عنه تعاسة رغم ياقته البيضاء وربطة عنقه الأنيقة. والمشكلة الأكبر أننا بتنا عاجزين على توقيف كل هذا الجشع الذي يطبع إنسان الألفية الثالثة. حقا إنه الانتحار الشامل الذي فقدنا بسببه دلالة المعنى.
سيطلب أحد المتعلمين أخذ الكلمة ثم سيقول:
ـ وما العمل يا أستاذ؟
قلت له مبتسما:
ـ لا يوجد أي حلّ، لأننا لسنا بصدد محاكمة مصير الإنسان، بما أنه لا يمتلك القوة لتغيير مصيره. لكن لو نظرتُ إلى سؤالك بعيون شاعرية، فسأقول لك أن العالم كان يجب أن يتوقف على مشارف القرن التاسع عشر، أما اليوم فقد خرجت الأمور عن السيطرة، وما سيأتي أخطر بكثير على البشرية مما نحن عليه الآن.
فطنت إلى ما يمكن أن أُسأل حوله من أحدهم، فاستبقت السؤال بالجواب:
ـ لا تسألوني عن السبب لأن الخوض فيه يحتاج حصصا كثيرة على حساب جدول الدروس، وباختصار سأقول لكم: وحده مارسيل بروست من فطن إلى الحل في عمله الضخم البحث عن الزمن الضائع، حينما أراد أن يضع حدا للأرستقراطية الفرنسية في القرن التاسع عشر، وأن يقتلها قبل أن تتعرض للمسخ إن هي حاولت التطلع إلى ما وراء هذا القرن، والدليل أنه صَوَّرَ لنا موت الأرستقراطية بطريقة بطولية قل نظيرها، وأن المنتمي إلى تلك الطبقة استسلم لنهايته بكل أنفة وشجاعة، دون أن ينبطح للموت أو يتضرع إليها من أجل حفنة زائدة من الحياة، وكأن هذه الأخيرة سيتوقف سحرها غداة خروج الثورة الصناعية عن السيطرة، وقد ثارت على نمط عيش الإنسان مثلما ثارت على نفسها بداية القرن الفائت.لقد رأى الرجل أن الأرستقراطية لا تستحق عناء قرن جديد بعقلية جديدة، ستبدو فيه مسخا لا غير وهو الأمر الذي سيؤدي إلى بروز البرجوازية كمالك أول لوسائل الإنتاج بما فيها الإنسان أيضا!
وإن أردتُ التدقيق أكثر، فسأقول أن نيتشه اعتُبر حصيفا حينما تمكن وبدهاء غريب من تشريح مصير إنسان المستقبل، ليس بدافع التنبؤ، ولكن من خلال قراءة المستقبل بعيون الحاضر داخل دائرة إرادة القوة. ربما لهذا السبب كان الرجل يدعو القارئ إلى التفلسف بخياشيمه وليس بعقله. هذا إنتاج فكري من نوع آخر وبإيقاع جد مرتفع، من يدري، فقد أفتح قوسا في الحصة المقبلة كي أحدثكم عنه من أجل أخذ صورة واضحة، حول مفهوم التسارع ومآله. سأختم قولي بدعوتكم إلى قراءة هذا الإشكال من ثلاث زوايا، الأولى من خلال نقد نيتشه للإنسان الأخير، والثانية من خلال أخذ نظرة موجزة حول مفهوم التقنية، والثالثة من خلال فيلم مثير لدافيد فينشر بعنوان: fight club
ثم أنهيت الحصة!
إلى القارئ الآن:
مثلما تكلمت في هذا المقال عن زمن ما بعد سنة 1900
سأتكلم في الجزء الثاني منه عن زمن ما بعد سنة 1999
ماذا تغير وما بقي؟
إلى لقاء قريب!